الشوكاني
321
فتح القدير
سورة المزمل ( 19 - 20 ) الإشارة بقوله ( إن هذه ) إلى ما تقدم من الآيات ، والتذكرة الموعظة ، والإشارة إلى جميع آيات القرآن ، لا إلى ما في هذه السورة فقط ( فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ) أي اتخذ بالطاعة التي أهم أنواعها التوحيد إلى ربه طريقا توصله إلى الجنة ( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ) معنى أدنى أقل ، استعير له الأدنى لأن المسافة بين السنين إذا دنت قل ما بينهما ( ونصفه ) معطوف على أدنى ( وثلثه ) معطوف على نصفه ، والمعنى : أن الله يعلم أن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم أقل من ثلثي الليل ويقوم نصفه ويقوم ثلثه ، وبالنصف قرأ ابن كثير والكوفيون ، وقرأ الجمهور " ونصفه وثلثه " بالجر عطفا على ثلثي الليل ، والمعنى : أن الله يعلم أن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم يقوم أقل من ثلثي الليل وأقل من نصفه وأقل من ثلثه ، واختار قراءة الجمهور أبو عبيد وأبو حاتم لقوله - علم أن لن تحصوه - فكيف يقومون نصفه وثلثه وهم لا يحصونه . وقال الفراء : القراءة الأولى أشبه بالصواب لأنه قال : أقل من ثلثي الليل ، ثم فسر نفس القلة ( وطائفة من الذين معك ) معطوف على الضمير في تقوم : أي وتقوم وذلك القدر معك طائفة من أصحابك ( والله يقدر الليل والنهار ) أي يعلم مقادير الليل والنهار على حقائقها ويختص بذلك دون غيره وأنتم لا تعلمون ذلك على الحقيقة . قال عطاء : يريد لا يفوته علم ما تفعلون . أي أنه يعلم مقادير الليل والنهار فيعلم قدر الذي تقومونه من الليل ( علم أن لن تحصوه ) أن لن تطيقوا علم مقادير الليل والنهار على الحقيقة ، وفي أن الضمير شأن محذوف ، وقيل المعنى : لن تطيقوا قيام الليل . قال القرطبي : والأول أصح ، فإن قيام الليل ما فرض كله قط . قال مقاتل وغيره : لما نزل " قم الليل إلا قليلا . نصفه أو انقص منه قليلا . أو زد عليه " شق ذلك عليهم ، وكان الرجل لا يدري متى نصف الليل من ثلثه فيقوم حتى يصبح مخافة أن يخطئ ، فانتفخت أقدامهم وانتقعت ألوانهم فرحمهم الله وخفف عنهم فقال ( علم أن لن تحصوه ) أي علم أن لن تحصوه لأنكم إن زدتم ثقل عليكم واحتجتم إلى تكلف ما ليس فرضا ، وإن نقصتم شق ذلك عليكم ( فتاب عليكم ) أي فعاد عليكم بالعفو ، ورخص لكم في ترك القيام . وقيل فتاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم ، وأصل التوبة الرجوع كما تقدم ، فالمعنى : رجع بكم من التثقيل إلى التخويف ، ومن العسر إلى اليسر ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) أي فاقرءوا في الصلاة بالليل ما خف عليكم وتيسر لكم منه من غير أن ترقبوا وقتا . قال الحسن : هو ما نقرأ في صلاة المغرب والعشاء . قال السدي : ما تيسر منه هو مائة آية . قال الحسن : أيضا من قرأ مائة آية